فلاحیتي

حالوب

بکل خلية  من جسمه عزة

 

 

 

 

 

عمره أکثر من سبعين عاماً لم ير لون السماء ولا الأشجار ولا وجوه الناس أبداً.

 

 هطلت عليه سُحُب المصائب صيفًا وشتاءً لکنها فشلت في تنديَة  عزمه و همته ويَئِس اليأس من التسرب الی نفسه وقلبه.

 

 

 

ولد أکمه وتحمل مصائب الحياة بالکدّ والصبر و الأمل. منذ أکثر من ثلاثين عاماً  وهو يبيع الناي او '' الماصول '' کما نسميه نحن، علی ضفاف شط الفلاحيّة.

 

 

 

حالوب لم يمد يده يوماً على الرغم من انه لا يراها ،  فعزة نفسه لم تدفن بمقابر هذه الحياة الخسيسة .

 

تأتي عربة کل صباح تنقل حالوب وبضاعته الی سوق الفلاحية لکي يسمع البائعون والزبائن ألحانه الجميلة التي تعودوا علی سماعها منه.

 

 

 

حالوب يعطي نصف فائدته اليومية تقريباً لصاحب العربة الذي يحمله الی مکان بيعه کل يوم.

 

 هو ليس لديه احد ليعينه علی هذه الحياة الصعبة تزوج من امرأة شاء الله أن تنجب له البنات فقط وينصرم حبل حياتها اثر حادث مروري. ولمّا ماتت زوجته، تزوج إمرأة أخری و هذه المرة ايضاً لم يرزق بالولد ليس لمساعدته فحسب بل ليقال له ابو فلان لا حالوب.

 

يبدو أنه قد عشق الأصوات التي ترتفع من الدکاکين والعربات والمبسطين. لقد أنشد مع باعة السوق أجمل اناشيد الحسرة و الأمل طوال هذه المدة أشهرها « فلفل ولومي وخيار » و« ادهون و ريحه؛ هيل وبستي» .

 

 

 

حالوب لم ير  شحة المياه بنهر الفلاحيّة الذي قضی عمره بجانبه، لکن أنفه لم يعد يشتم رائحة الأسماك التي کان يعزف لها اجمل الألحان لترقص وتتهادی بذلك الفرات.

 

 

 

في الفلاحية يعتبر حالوب آية في الجهد والصبر و الأمل . هو حُرم من النظر و البنين و الراحة والسعادة، لکن کسب القناعة والعزة والحياة الکريمة. هو علمنا ألاّ نخسر المعرکة ولا نستسلم للدهر ولانعول علی الغير ولا نشکو جراحنا للناس.

 

والشاعر العربي يقول:

 

 

 

لاتشكُ للناس جرحاً أنت صاحبه

 

لا يؤلم الجرح إلا من به

 

ألمُ

 

 

 

توفيق النصّاري

 

٢٠١٢

 



المدون فلاحيتي