فلاحیتي

حالوب

بکل خلية  من جسمه عزة

  بقلم : توفیق نصاري

عمره أکثر من سبعين عاماً. لم ير لون السماء ولا الأشجار ولا وجوه الناس أبدا. هطلت عليه سُحُب المصائب صيفا وشتاءا لکنها فشلت في تنديَة تراب عزمه و همته ويَئِس اليأس من التسرب الی نفسه وقلبه .
ولد أکمه وتحمل مصائب الحياة منذ ولادته الی يومنا هذا بالکدّ والصبر والأمل. منذ اکثر من ثلاثين عاماً يبيع الناي او الماصول کما نسميه نحن، علی ضفاف شط الفلاحيّة. تأتي له هذه النايات من شخص يدعی محمد صالح من مدينة باغ ملک کل ثلاثة أشهر.
حالوب لم يمد يده يوماً على الرغم من انه لا يراها. عزة نفسه لم تدفن بمقابر هذه الحياة الخسيسة . تأتي عربة کل صباح تنقل حالوب وبضاعته الی سوق الفلاحية لکي يسمع البائعين والزُبُن الحانه الجميلة التي تعودوا علی سماعها منه .
يعطي حالوب نصف فائدته اليومية تقريباً لصاحب العربة الذي يحمله الی مکان بيعه کل يوم. هو ليس لديه احدا ليعينه علی هذه الحياة الصعبة تزوج من امرأة شاء الله ان تنجب له البنات فقط وينصرم حبل حياتها اثر حادث مروري. ولمّا ماتت زوجته، لکي لايکون وحيداً تزوج مرة اخری و هذه المرة ايضاً لم يرزق بالولد ليس لمساعدته فحسب بل ليقال له ابي فلان لا حالوب.
يبدو ان حالوب قد عشق الأصوات التي ترتفع من الدکاکين والعربات والمبسطين. لقد نشد مع بائعين السوق اجمل اناشيد الحسرة والأمل طوال هذه المدة اشهرها « فلفل ولومي وخيار » و« ادهون و ريحه؛ هيل وبستي»
حالوب لم يری شحة المياه بنهر الفلاحيّة الذي قضی عمره بجانبه لکن أنفه لم يعد يشتم رائحة الأسماك التي کان يعزف لها اجمل الألحان لترقص وتتهادی بذلك الفرات.
بالفلاحية يعتبر حالوب آية في الجهد والصبر و الأمل . هو حُرم من النظر و البنين و الراحة والسعادة لکن کسب القناعة والعزة والحياة الکريمة. هو علمنا ألاّ نخسر المعرکة ولا نستسلم للدهر ولانعول علی الغير ولا نشکوا جراحنا للناس .
والشاعر العربي يقول:
لاتشکو للناس جرحاً أنت صاحبه **** لا يؤلم الجرح إلا من به ألمُ



المدون فلاحیتي